لبيب بيضون
224
موسوعة كربلاء
فلما رأيت ذلك صعقت ورميت نفسي بين القتلى ، وإذا بثلاث نفر وامرأة ، وحولهم خلائق ( وقوف ) ، وإذا بواحد منهم يقول : يا أبتاه يا حسين ، فداك جدك وأبوك ، وأمك وأخوك . وإذا بالحسين عليه السّلام قد جلس ، ورأسه على بدنه ، وهو يقول : لبّيك يا جداه ويا أبتاه ويا أماه ويا أخاه ، عليكم مني السلام . ثم إنه بكى ( ع ) وقال : يا جداه قتلوا والله رجالنا ، يا جداه سلبوا والله نساءنا ( يا جداه نهبوا والله رحالنا ، يا جداه ذبحوا والله أطفالنا ، يا جداه ) يعزّ عليك أن ترى حالنا ، وما فعل الكفار بنا . وإذا هم جلسوا يبكون حوله على ما أصابه ، وفاطمة عليها السّلام تقول : يا أبتاه يا رسول اللّه ، أما ترى ما فعلت أمّتك بولدي ؟ . ورأيتهم يأخذون من دم شيبة الحسين عليه السّلام وتمسح به فاطمة عليها السّلام ناصيتها ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلي والحسن عليهم السّلام يمسحون به نحورهم وصدورهم وأيديهم إلى المرافق . وسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : فديتك يا حسين ، من قطع يدك اليمنى وثنّى باليسرى ؟ . فقال : يا جداه ، قطعها الجمّال [ ويذكر له القصة كما مرت . . . ] ثم يقول : فلما أراد حلّ التكّة حسّ بك فرمى نفسه بين القتلى . ( يقول الجمال ) : فلما سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كلام الحسين عليه السّلام بكى بكاء شديدا ، وأتى إليّ بين القتلى إلى أن وقف نحوي ، فقال : ما لي ولك يا جمّال ، تقطع يدين طالما قبّلهما جبرئيل ( وملائكة اللّه أجمعون ، وتباركت بهما أهل السماوات والأرضين ) ؟ ! . أما كفاك ما صنع به الملاعين ، من الذل والهوان ؟ . سوّد اللّه وجهك في الدنيا والآخرة ، وقطع اللّه يديك ورجليك ، وجعلك في حزب من سفك دماءنا وتجرّأ على اللّه . فما استتمّ دعاءه حتى شلّت يداي ، وحسست بوجهي كأنه ألبس قطعا من الليل مظلما . وبقيت على هذه الحالة ، فجئت إلى هذا البيت أستشفع ، وأنا أعلم أنه لا يغفر لي أبدا . فلم يبق في مكة أحد إلا سمع حديثه ، وتقرّب إلى اللّه بلعنته ، وكلّ يقول : حسبك ما جنيت يا لعين وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] .